الاخبار: زينب بزي الخميس 11 حزيران 2026
لبنان لا يحتاج إلى إغلاق اقتصاده أو العودة إلى سياسات الحماية العشوائية، بقدر ما يحتاج إلى حماية ذكية ومؤقّتة مرتبطة بالإنتاجية والتصدير والقدرة على تخفيف استنزاف الدولار. يأتي هذا الطرح من واقع بات يصعب تجاهله، في ظل استمرار الاقتصاد اللبناني بتمويل استيراد سلع يملك أصلاً القدرة على تصنيع جزء كبير منها محلياً.
فبحسب إحصاءات «دليل الصادرات والمؤسسات الصناعية اللبنانية»، بلغ مجموع ما استورده لبنان من سلع يتم تصنيع مثيل لها في لبنان نحو 9.23 مليارات دولار خلال عام 2025، مقابل تصدير سلع تُنتج في المصانع المحلية بقيمة 2.86 مليار دولار فقط، أي بفارق يتجاوز 6.3 مليارات دولار من منتجات كان يمكن تقليص استيراد قسم كبير منها.
ولا تكمن خطورة هذا الرقم في حجمه فحسب، بل في دلالاته الاقتصادية المباشرة. فهذه الفاتورة الضخمة تعني عملياً خروج مليارات الدولارات من السوق اللبنانية نحو الخارج بدلاً من تدويرها داخل الاقتصاد المحلي عبر الإنتاج والتشغيل والاستثمار.
كما تعني استمرار الضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطيّات النقدية، في وقت يعاني فيه لبنان من استنزاف احتياطيّات مصرف لبنان النقدية بالعملة الأجنبية. وترى الأوساط الصناعية أنّ جزءاً أساسياً من هذا العجز ليس حتمياً، بل ناتج من غياب أي سياسة اقتصادية تحمي القطاعات المُنتِجة أو تعطي أفضلية فعلية للصناعة المحلية، إذ تشير التقديرات إلى أنّ الصناعة اللبنانية قادرة على توفير استيراد بما يقارب 5 مليارات دولار، لو جرى اعتماد إجراءات تحدّ من الإغراق وتحفّز الإنتاج المحلي، بدلاً من إبقاء السوق مفتوحة بالكامل أمام المنافسة الخارجية غير المتكافئة.
وفي هذا السياق، يرى رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية جمال حيدر أنّ المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في ضعف الإنتاج المحلي، بل في طبيعة السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الدولة طوال العقود الماضية، والتي جعلت الاستيراد أكثر ربحية وأسهل من التصنيع والزراعة. فبدلاً من بناء سياسة صناعية وتجارية تحمي القطاعات التي يملك فيها لبنان قدرة تنافسية، تُركت السوق مفتوحة أمام سلع مستوردة مدعومة ومنخفضة الكلفة، فيما يتحمّل المُنتِج اللبناني أكلافاً مرتفعة مرتبطة بالكهرباء والنقل والتمويل والضرائب.
ومن هنا، لا تبدو الدعوات إلى حماية الصناعة اللبنانية مرتبطة بمنطق «إقفال السوق»، بقدر ما ترتبط بإعادة تصحيح الخلل القائم، إذ يعتبر حيدر أنّ الدولة كان يفترض بها منذ سنوات تخفيف الرسوم على المواد الأولية والسلع الوسيطة المُستخدمة في الإنتاج المحلي، مقابل رفع الرسوم تدريجياً على السلع النهائية المستوردة التي لها بديل لبناني قادر على المنافسة. لذلك فإنّ الإجراءات التي اتُّخذت بقيت محدودة التأثير، إذ اقتصر التدخل في مراحل معينة على فرض رسم مقطوع بنسبة 3% على بعض السلع المستوردة، وهي نسبة يعتبرها الصناعيون غير كافية فعلياً لإعطاء المُنتج اللبناني قدرة تنافسية داخل السوق المحلية.
ضخامة فاتورة الاستيراد تعني خروج مليارات الدولارات من السوق المحلية
عملياً، كان يُفترض بهذه الرسوم أن ترفع أسعار السلع المستوردة مقارنة بمثيلاتها المُصنّعة محليّاً بما يسمح بتعزيز موقع المُنتج اللبناني داخل السوق، إلا أن رسم الـ3% بقي غير قادر على تعديل ميزان المنافسة أو الحد من الاستيراد الإغراقي، فيما بقيت الرسوم الأعلى والأكثر فعّالية موضع تجاذب وضغوط مرتبطة بالاتفاقيات التجارية والمصالح الخارجية. لهذا فإنّ المشكلة لا ترتبط فقط بنسبة الرسوم نفسها، بل بغياب سياسة اقتصادية وصناعية متكاملة تربط بين الحماية الذكية وخفض كلفة الإنتاج وتشجيع التصدير.
كما أنّ غياب معايير الجودة والمواصفات الصارمة سمح، وفق حيدر، بإغراق السوق اللبنانية بسلع رخيصة ومدعومة من الخارج أضعفت قدرة المصانع المحلية على الصمود والتوسّع، في وقت تُرك فيه المُنتج المحلي يواجه منفرداً كلفة مرتفعة للطاقة والنقل والتمويل. وتزداد الحاجة إلى معالجة هذا الخلل اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، في ظل الوضع الاقتصادي والمالي الحالي، لأن استمرار استيراد سلع يمكن إنتاجها محلياً يعني عملياً استمرار نزف العملات الأجنبية، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد اللبناني إلى كل دولار يمكن أن يبقى داخل الدورة الاقتصادية المحلية عبر التشغيل والإنتاج والاستثمار.
ولا يقتصر الأمر على الرسوم والحماية الجمركية فقط، إذ يشدّد حيدر على أن جزءاً أساسياً من الأزمة مرتبط أيضاً بالتهرّب الجمركي والتلاعب بالفواتير، ما خلق منافسة غير متكافئة بين المُنتج المحلّي والمستورد. لذلك، تصبح رقمنة الجمارك وتشديد الرقابة على المرافئ والمعابر وربط التخليص الجمركي إلكترونياً بالنظام الضريبي خطوات أساسية للحدّ من الإغراق والتهرّب، بالتوازي مع اعتماد سياسة ضريبية تعطي حوافز للمصانع التي تستخدم مدخلات محلية وتوظّف لبنانيين وإعفاء جزء من الصادرات الصناعية والزراعية من الضرائب، إضافة إلى إعطاء أفضلية فعلية للمُنتج اللبناني في المشتريات الحكومية.
وبحسب حيدر، فإن أيّ خطة تعافٍ اقتصادي حقيقية لا يمكن أن تقوم على الاستمرار في نموذج الاقتصاد الريعي نفسه، بل يجب أن تبدأ بإعادة بناء الاقتصاد المُنتِج، عبر خفض كلفة الطاقة، تطوير البنية التحتية والتعليم المهني والتقني، دعم الابتكار الصناعي وإنشاء مناطق صناعية حديثة، إلى جانب توقيع اتفاقات تجارية عادلة تراعي مصالح المُنتج اللبناني. فبلد يعاني عجزاً مزمناً في ميزانه التجاري، لا يستطيع الاستمرار طويلاً في استيراد ما يملك القدرة على إنتاجه بكفاءة داخل حدوده.
4.7 مليارات دولار عجزاً تجارياً في الربع الأول من عام 2026
تُظهِر بيانات إدارة الجمارك اللبنانية أن الاقتصاد اللبناني لا يزال يستنزف العملات الأجنبية بوتيرة مرتفعة، إذ بلغت قيمة الواردات 5.38 مليارات دولار خلال الربع الأول من عام 2026، مقابل صادرات لم تتجاوز 630.7 مليون دولار، ما أدّى إلى عجز تجاري بلغ 4.7 مليارات دولار.
وبذلك، لم تغطِّ الصادرات سوى 11.7% من فاتورة الاستيراد، فيما استورد لبنان ما يوازي 8.5 أضعاف ما صدّره خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري. وتصدّر اللؤلؤ والأحجار الكريمة والمعادن الثمينة قائمة السلع المُستوردة بقيمة مليار دولار، تلتها الآلات والمعدّات الكهربائية والمُنتجات الكيميائية، فيما جاءت الصين وسويسرا والإمارات العربية المتحدة في صدارة الدول المُصدِّرة إلى لبنان.
وفي المقابل، بلغت قيمة أبرز الصادرات اللبنانية من اللؤلؤ والأحجار الكريمة والمعادن الثمينة 126.2 مليون دولار فقط، تلتها المعادن الأساسية ومصنوعاتها بقيمة 121.5 مليون دولار، ما يعكس استمرار خروج الدولارات من الاقتصاد بوتيرة تفوق بكثير تدفّقها عبر التجارة الخارجية.

